عبد الله الأنصاري الهروي

258

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

النّقص فهو كامل بذلك النّقص ، وإنّ ذلك النّقص كمال في حقّه ، وتسميته نقصا مجاز ، وإنّما يكون نقصا من النّاقص ، وهذا المعنى يحتاج إلى بسط ليظهر معناه ، وليس هنا مكان ذكره ، فهذا معنى قوله : أن تعرف مقام الخلق أنّهم بأقدارهم مربوطون . ومقصود الشيخ أن يعرف المتصوّف كيف يعاشر النّاس ، وهو أنّه يجب عليه أن يعرف مرتبة من يعاشره ، فيأتيه من حيث يحبّ ، ولا يعاشره بما يكره ، وإن كان حسنا في نفس الأمر ، فإنّه ربّما عجز عن معرفة ذلك . قوله : وفي طاقتهم محبوسون ، يعني أنّهم لا يقدرون على موافقة من فوقهم على شيء ، لأنّهم محبوسون فيما يطيقون ، والحقّ تعالى يقول : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها « 5 » ، فينبغي للمتصوّف الذي يطلب حسن الخلق ألّا يطلب من أحد إلّا ما يقدر عليه ، ويعذره في عجزه عمّا هو محبوس عنه ، فلا يطالبه به ، بل يكون معه في طوره ما دام مصاحبا له . قوله : وعلى الحكم موقوفون ، يعني بالحكم القضاء والقدر ، وإن كان جميع ما ذكره قبل هو أيضا من جملة القضاء والقدر ، وإذا كانوا على حكم القضاء والقدر / موقوفون ، فكيف يلامون على ما يصدر منهم ، بل يعذرون ، فإن بدت منهم في حقّك هفوة فهي من أحكام القدر فيك وفيهم ، فاغفر لهم ذلك واشكرهم حتى تزيل عنهم وحشة الذّنب ، ويستريحون من العذر ، وابذل لهم المعروف ، واحمل عنهم الأذى .

--> ( 5 ) الآية 286 سورة البقرة .